Arab7
تعليم

نظرية التربية عند ابن الجوزي

نظرية التربية عند ابن الجوزي

تعتبر نظرية التربية عند ابن الجوزي “جمال الدين أبي الفرج عبد الرحمان”  تراثا قيما ، شأنه في ذلك شأن من سبقوه أو لحقوه من علماء الحضارة الإسلامية و عطاءاتهم في ميدان التربية عموما و التربية الإسلامية خصوصا .

قدم ابن الجوزي فلسفته التربوية ومنهجه التعليمي في عبقرية تحسب لهذا العلامة على حساب أهل عصره و زمانه .

ابن الجوزي كان مثالا لإيجابية و عبقرية العقل المسلم و قدرته على استنباط و استنتاج النظريات و الإجراءات من هدايات القران و أنوار السنة النبوية ، فمنظومة التربية الإسلامية عرفت تكاملا و استيعابا لجميع شروطها و لجميع مكونات النفس البشرية ، و هي كلها ملامح لأصالة و عبقرية نظرة علمائنا التكاملية للتربية في بعدها المعرفي و القيمي و الوجداني و حتى الجنسي .

التربية عند ابن الجوزي :

الفكر التربوي لابن الجوزي لا يبدو جليا في مؤلفاته ، إلا انه بين جنبات تراثه و في أعماق هذا التراث ، نجد كنوزا تربوية و إنسانية عظيمة ، لو قدرناها حق قدرها من الدراسة و البحث لكنا بدل التبعية للفكر التربوي الأجنبي ، صناع فكر تربوي متكامل أصيل ، نفيد و نستفيد به .

عبر ابن الجوزي عن مصطلح التربية بعدة ألفاظ لكنها تجتمع على معنى و دلالة واحدة فذكرها بمصطلح التعليم و  الأدب ،  التدبير ،  الرياضة  و التربية . و كان يقصد بها :

* ذلك الجهد الذي يبذله المربي من رعاية لصحة الصغير و إنماء لقدراته العقلية و تنمية و تصويب أخلاقه حتى يبلغ درجة من النضج المتكامل ، فالتربية هي تنشئة الطفل من قبل والديه بغية إيصاله إلى ما يطيق من كمال حيث يقول:

“” إن هذا الموسم (مرحلة الطفولة) يتعلق معظمه بالوالدين ، فهما يربيانه و يعلمانه و يحملانه على مصالحه ، ولا ينبغي أن يفترا عن تأديبه و تعليمه “

* التربية عند ابن الجوزي هي إعداد الطفل بالمتطلبات الأساسية لحياته الاجتماعية عبر الأثر الذي تتركه الأجيال الراشدة في الأجيال الصاعدة . و تتفرع هذه المتطلبات إلى حالات جسدية و فكرية و دينية و كأنه يقصد بها  مختلف حاجاته

1 الحالات الجسدية :

يقول في هذا الصدد : ” يمنع من كثرة الأكل ، ويهود الخشونة في المطعم ، و المفرش فإنه أصح لبدنه ، ويعالج بالرياضات الجسمانية كالمشي” . و المتأمل في عصرنا هذا و أمراض البدانة و السمنة التي أصابت أطفالنا نتيجة سوء الغذاء على كثرته و قلة الحركة و العادات السيئة من إدمان على التلفاز و الهواتف الذكية ، يدرك النظرة الثاقبة لابن الجوزي و مقدرته على الاستشراف

2 الحالات الفكرية :

العناية بتزويده بالعلوم و المعارف الضرورية على حسب ما يطيقه و تحتمله قدراته و طاقاته العقلية . فقد حث على العلوم لتشكيل عقله فقال :”” … يحفظانه القرآن و يسمعانه الحديث ، وما احتمل من العلم أمراه به … و لا يفتران عن تعليمه على قدر ما يحتمل””

3 الحالات الأخلاقية :

العمل على تحليه بالخلاق الحميدة ، وتنبهه على السلوك القبيح و السيئ فيقول “” و يقبحان عنده ما يقبح،و يحثانه على مكارم الأخلاق” كما حذر من أصدقاء السوء فقال “” أما تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد ” و حث على تزويدهم بسير الأعلام و العلماء والصالحين ، يقول ” و ليبادر بأخبار الصالحين ،و ليجنبه (مربيه) أشعار الغزل لأنها بذر الفساد ،و ل ايمنع من أشعار السخاء و الشجاعة ليمجد و ينجد “”

“جوهر التربية عند ابن الجوزي هي غرس القيم”

التربية عند ابن الجوزي هي غرس القيم و اكتساب الفضائل و الآداب و هو جوهر التربية ، يقول “” و أما تدبير الأولاد فحفظهم من مخالطة تفسد ، و متى كان الصبي ذو أنفة حييا رجي خيره ، و ليحمل على مصاحبة الأشراف و العلماء ،و ليحذر الصبي من الكذب غاية التحذير،ومن المخالطة للصبيان (يقصد سيئي الخلق)،و ليوصيه (مربيه) بزيادة بر الوالدين ،وليحفظ من مخالطة النساء

أهداف التربية عند ابن الجوزي :

تقوم العملية التربوية على تحقيق و بلوغ أهدافها ، و غاية التربية عند ابن الجوزي غاية أخلاقية ، فالتربية تعنى بأعمق ما في الكائن الإنساني و هو الإرادة الحرة ، فهي ميزته عن باقي الكائنات الحية .يقول “ بهذا القدر فضل الآدمي على البهائم ،أعني بملكة الإرادة “”. فهي التي تعينه على التحكم في دوافعه و كبح جماح غرائزه من الانفلات . فالتربية تنمي الإرادة و تثبتها كما تثبت في الذات روح المجاهدة . و تروض النفس و تطوعها لصلاحها ، يقول ” …فإنك و الله ما لم تجد مرارة الدواء في حلقك لم تقدر على ذروة من العافية في بدنك”

  • التكوين العقلاني سابق و ممهد للتكوين الأخلاقي ،فالعقل هو المتحكم في السلوك فالإنسان بقدر ما يمتلك من عقل ،بقدر ما يمتلك ذاته ، يقول ” إن نور العقل يضيء في الطبع فتتبين جادة الصواب للسالك ،وزناد الفكر حين يورى يرى عواقب الأحوال” ويقول أيضا مبرزا أهمية العقل في كبح الهوى بقوله “إذا عرف العاقل ان الهوى يصير غالبا ،وجب عليه أن يرفع كل حادثة إلى حاكم العقل فإنه يشير عليه بالنظر في المصالح الآجلة، و بأمره عند وقوع الشبهة باستعمال الأحوط في كف الهوى، إلى ان يتيقن السلامة من الشر في العاقبة “
  • بلوغ الكمال الخلقي ، ويقصد به العلم و العمل به ، يقول ابن الجوزي ” العلم و العمل توأمان أمهما علو الهمة، أيها الشاب جوهر نفسك بدراسة العلم ،و حلها بجدية العمل”
  • على البيئة التعليمية و التربوية أن تكون مفعمة بالخلق ، و أن يساعد طرفا العملية التربوية (المربي و المتربي) على توسيع الأفق لوعي الواجبات التربوية
    • حث المعلم على التبصر و التثبت في تربيته والعناية بالمتعلم ، و يوصي المتعلم على بذل الجهد في التحصيل و التحلي بالتواضع و المثابرة و الصبر على مشاق التعلم . يقول في نصيحته “”أيها المعلم تثبت على المبتدئ (وقدر في السرد) فالعالم رسوخ و المتعلم قلق ،و يا أيها الطالب تواضع في الطلب فإن التراب لما ذل لأخمص القدم صار طهورا للوجه ، لا تيأس مع مداومة الخير أن يقوي ضعفك ،فالرمل مع الزمان يتحجر ،صابر ليل البلاء فعين الصبر ترى فجر الأجر ، وما يدرك تنصب بلا نصب ، ألا ترى إلى الشوك في جوار الورد، أيها المبتدئ تلطف بنفسك فمداراة الجاهل صعبة، تنقل من طلب الرخص إلى سطوح العزائم، دم على حضور المجلس ،فالطفل يحتاج كل ساعة إلى الرضاع ،فإذا صار رجلا صبر على الفطام ، على ان الماء إذا كثر صدمه للحجر أثر ، يا عطاش الهوى في تيه القوى انحرفوا إلى جادة العلم ، فكم من فيافي العلم من عين تعين على قطع البادية”” 

خلاصة القول :

التربية عند ابن الجوزي هي ذلك الجهد و العمل الذي يوجه نحو هدف و غاية سامية أخلاقية ، فهي ذلك الأثر الذي يتركه الراشدون المربون في أبنائهم أو طلابهم ، حتى يصلوا إلى النضج . و تسمو درجة التربية و قيمتها لدى ابن الجوزي إلى درجة العبادة و نختم بقوله :

أما تعليم الطالبين فإنه عبادة العالم ، و هل كان شغل الأنبياء إلا معاناة الخلق و حثهم على الخير ونهيهم عن الشر

مواضيع ذات صلة

معلومات خاطئة

Arab7

خاص وحصري ، كل ما تود معرفته عن كلية الهندسة

Arab7

استراتيجية حل المشكلات في التدريس

Arab7