Arab7
مقالات

بيار بورديو و علم الاجتماع

بيار بورديو و علم الاجتماع

منذ عشرات السنين كانت علاقة بيار بورديو و علم الاجتماع و اسهاماته مثلها مثل إسهاماته الفكرية الاخرى ، فكان بيار بورديو دائما مجددا للتساؤل العلمي ، فهو مؤسس لنموذج و منسق تفكيري في علم الإجتماع ، فقد اتسمت أعماله في علم الاجتماع و الفلسفة أيضا بالثراء و الخصوبة و التنوع في المجالات المتعددة . و من أشهر كتبه الاجتماعية كتابه “ بؤس العالم” الذي عرف شهرة قل نظيرها وسط الكتب الاجتماعية .

بيار بورديو … من الفلسفة إلى علم الإجتماع

عند الحديث عن بيار بورديو لا يمكن أن نتغافل عن حذاقته البارعة و العميقة  بالفلسفة ، و تحوله من الفلسفة إلى علم الإجتماع ، و للحديث عن تحول مساره نقتبس من كلامه “ من الواضح أت التحول الذي قمت به للمجيء إلى علم الإجتماع لم يكن دون علاقة مع مساري الاجتماعي ، لقد قضيت الجزء الاكبر من شبابي في قرية صغيرة و نائية بالجنوب الغربي لفرنسا ن و لم اتمك من إرضاء طلبات المؤسسة المدرسية إلا بالتخلي عن الكثير من تجاربي عن مكتسباتي الأولية و ليس فقط عن نوع معين من اللهجة … في فرنسا كوننا ناتي من محافظة بعيدة تقع جنوب نهر اللوار يعني اننا نحمل عددا من الخصائص معادلة للوضعية الكولونيالية ، إن نوع العلاقة الخارجية الموضوعية و الذاتية المترتبة عن ذلك تساعد على وجود علاقة خصوصية جدا مع المؤسسات المركزية للمجتمع الفرنسي و بالخصوص مع المجتمع الفكري , توجد أشكال حذقة للعنصرية الاجتماعية التي لا يمكن إلا أن تذكي شكلا من أشكال النباهة ن و لكوننا دائما نذكر بأجنبيتنا فهذا يدعو إلى إدراك أشياء لا يستطيع الاخرون رؤيتها او الاحساس بها ، و على الرغم من انه صحيح انا إنتاج المدرسة العليا للاساتذة و لكن انتاجها خانها “،   و له مقولة اخرى “ ما قمت به في علم الإجتماع و في الإثنولوجيا قمت به على الاقل ضد تكويني أكثر منه بفضل تكويني ,,, ما أريد قوله ببساطة و هو انني أجبرت على إحداث القطيعة مع المزاعم الخاصة بالتسامي النظري المسجلة في مساري كطالب فلسفة تحرج من المدرسة العليا للاساتذة  ، مع الاعتماد الدائم على تكويني و لاسيما تكويني الفلسفي . عندما كنت ادرس الطلبة الذين يتميزون بتحصيل ممتاز لم يكونوا ليقبلو إلا إذا أرادو الشذوذ عن القاعدة ، القيام بمهام عملية مبتذلة جدا كتلك التي تعتبر جزءا من مهنة علم الإجتماع . العلوم الاجتماعية صعبة و ذلك لأسباب اجتماعية ، فعالم الاجتماع هو شخص يذهب إلى الشارع و يسأل من يجده امامه ، يسمعه و يحاول ان يتعلم منه ”

بيار بورديو و علم الاجتماع :

لقد تساءل بيار بورديو التساؤلات التي تشغل الحقل السوسيولوجي عن ماهية علم الإجتماع و دوره ، و عن المجتمع و كيف يعاد انتاجه أو عكس ذلك .

المجتمع بالنسبة لبورديو ، هو كما الحال عند ماركس فهو مكون من عدة طبقات اجتماعية متصارعة ، بغرض امتلاك الرساميل المختلفة و ان علاقات المعنى و القوة تصاغ إما في استدامة النظام الاجتماعي و إما في إعادة النظر فيه .

لك بورديو تميز بالخطاب التجديدي و به خرج بمفارقة نظرية و عينية لواقعه ، و كانت ارادته واضحة في اراداته لتجاوز المعارضات التقليدية في علم الإجتماع و البحث في أسبابها و العلم بتأويلها ، و في هذا تصديق لنزعة بيار بورديو إلى نسقنة المعرفة .

إذا كان على السوسيولوجيا فضل لدوركايم ، فقد سعى إلى صياغة اوليات رقابة إنتاج الخطاب السوسيولوجي ، و قواعد المنهج في علم الاجتماع من أجل الحفاظ على استقلاليته و هويته ، و لقد سار بورديو على نفس المنهج بما أسماه “موضعة الذات المموضعة ”  ففي هذه الفكرة مزج بين الابستيمولوجي و السوسيولوجي و السياسي ، فانتصر بورديو لفكرة كونت على حساب كانط في ان انتصر على أن السوسيولوجيا “أميرة العلوم ”  .  و لهذا أرادها “كونت” ان تبحث العلل وضعيا فتنزل الافكار من عليائها ، فالسوسيولوجيا آخر ما انتجت العلوم ، فهي علم نقدي لذاتها عينها و للعلوم الاخرى ، و هي أيضا نقد للسلطة من ضمنها سلطة العلم ، فالعلم يعمل على معرفة قوانين انتاج العلم و لا يمنح وسائل الهيمنة لكنه يمنح وسائل الهيمنة على الهيمنة .

منهج بيار بورديو
  • انتهج “بورديو” منهجا خاصا فيه من الخصوصية التي لا تميزه بين الأقدمين السوسيولوجيين ، فلقد صاغ “بورديو” نسقا فكريا مستقلا و منغلقا ، فقراءة كل انتاج لا تكون إلا من جوانيته (داخله) أي من حيث ” يشغل فيفهم و من حيث تبعث تناقضاته فيكشف”
  • جعل من ” التحليل الذاتي ” ممارسة معرفية و مستمرة و ذاتية ، نجد ذلك بارزا في بحوثه الميدانية عن الجزائر في بداية عهده بالسوسيولجيا ، بالإضافة إلى ذلك جعل من “التحليل الذاتي” مشروعا ابستيمولوجيا يقضي بصياغة إواليات و مراقبة إنتاج الخطاب السوسيولوجي ثم التوسع منه إلى المعرفة العامة
  • إعتمد بيار بورديو مفهوم المعقولية ” rationalitie  ” ، هذه الأخيرة هي “نسق ” المبادئ و المفاهيم التي تشكل النسيج النصي من دون أن تتطابق ضرورة معه أي بمعنى ان النص قد يتضمن معقولية منتجة ، و تتبادل الادوار بينهما و كما قال هو موقفا (prise de position) و منزلة و ضدية ( position – opposition) و هذا معنى الموضعة ( objectivation)  التي دعا إليها و سعى إليها .
  • العلاقة بين الذاتي و الموضوعي ، المسافة بينهما مسالة معلومة و فيها اجتهادات معلومة فهناك انتصار لأحدهما على الأخر حسب ( دوركايم ، فيبر) أو تلفيقا بينهما حسب ( سولترز يمل ) ، لكن بورديو صاغ هذا الأمر على شكل مسألة سوسيولوجية و سياسية و هذا ما كان له الأسبقية , فهذا النهج الجديد كان نتاج معرفته الموسوعية بالإنسانيات و الفلسفة و السوسيولوجيا فمن خلال جولاته مع دور كايم في الهابوتس المسيحي ، إلى فيبر في الخلق البروستانتي ، ليفي ستروس في البنى الرمزية ، و بياجي الذي اخذ عنه مفهوم الترسمية ، و تشومسكي و فكرته عن القدرة التوليدية و غيرهم من العلماء ، فارتحاله في مختلف هذه الفضاءات شكل له خزان معرفي موسوعي ساهمت في انتاجاته الفكرية و المعرفية و السوسيولوجية بالخصوص و جمعه ما كان قديما و منفصلا ، و يظهر هذا جليا في كتاباته في علم الإجتماع ، الانثروبولوجيا و الإثنولوجيا و الألسنية و الابستيمولوجيا و التعليم .

مواضيع ذات صلة

الجراثيم من بحث فيها وقف مشدودا

Arab7

هل تريد السعادة ؟

Arab7

هل أنت أب مثالي ؟

Arab7